فخر الدين الرازي

236

تفسير الرازي

فقال : وما أنا من المتكلفين ، والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً ، والذي يغلب على الظن أن المراد أن هذا الذي أدعوكم إليه دين ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة ، بل هو دين يشهد صريح العقل بصحته ، فإني أدعوكم إلى الإقرار بوجود الله أولاً : ثم أدعوكم ثانياً : إلى تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق به ، يقوي ذلك قوله : * ( ليس كمثله شيء ) * وأمثاله ، ثم أدعوكم ثالثاً : إلى الإقرار بكونه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة ، ثم أدعوكم رابعاً : إلى الإقرار بكونه منزهاً عن الشركاء والأضداد ، ثم أدعوكم خامساً : إلى الامتناع عن عبادة هذه الأوثان ، التي هي جمادات خسيسة ولا منفعة في عبادتها ولا مضرة في الإعراض عنها ، ثم أدعوكم سابعاً : إلى الإقرار بالبعث والقيامة : * ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) * ( النجم : 31 ) ثم أدعوكم ثامناً : إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، فهذه الأصول الثمانية ، هي الأصول القوية المعتبرة في دين الله تعالى ، ودين محمد صلى الله عليه وسلم وبداهة العقول ، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه الأصول الثمانية ، فثبت أني لست من المتكلفين في الشريعة التي أدعو الخلق إليها . بل كان عقل سليم وطبع مستقيم ، فإنه يشهد بصحتها وجلالتها ، وبعدها عن الباطل والفساد وهو المراد من قوله : * ( إن هو إلا ذكر للعالمين ) * ولما بين هذه المقدمات قال : * ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) * والمعنى أنكم إن أصررتم على الجهل والتقليد ، وأبيتم قبول هذه البيانات التي ذكرناها ، فستعلمون بعد حين أنكم كمنتم مصيبين في هذا الإعراض أو مخطئين ، وذكر مثل هذه الكلمة بعد تلك البيانات المتقدمة مما لا مزيد عليه في التخويف والترهيب ، والله أعلم .